متأخر

متأخر…

ليست كلمة عابرة تُقال على استحياء،

ولا دقائق تتسرّب من بين يديك دون أثر،

بل عادة صغيرة… تكشف خللًا كبيرًا في ترتيب الحياة.

كان لي صديقٌ يلازمه التأخير كما يلازم الظلُّ صاحبه.

كل صباح يتكرر المشهد ذاته:

باب يُفتح على عجل،

خطوات متعثّرة بالعجلة،

أنفاس متلاحقة،

حقيبة تُلقى على الكرسي،

ونظرة سريعة إلى الساعة تتبعها ابتسامة اعتذار محفوظة.

يلقي السلام وهو ما يزال يجمع شتات ذهنه،

يجلس أمام مكتبه وكأنه خرج لتوّه من سباق،

والزملاء ينظرون…

لا غضبًا، بل دهشةً من عادة لم تتغير.

وحين يعدك بموعد، يحضر متأخرًا أيضًا،

يقول برفق:

”الطريق كان مزدحمًا…“

وكأن الطريق وحده هو المتهم،

وكأن العجلة قدرٌ لا خيار.

لكن التأخير عنده لم يكن في العمل فحسب،

بل تسلل إلى تفاصيل أدقّ… وأخطر.

كان يؤخر صلاته،

يصلي بعد ساعة من الأذان،

وكأنه نسي ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَت عَلَى المُؤمِنينَ كِتابًا مَوقوتًا [النساء: 103]

حياته كلها كانت مؤجلة:

نومه متأخر،

عشاؤه متأخر،

قراراته مؤجلة،

حتى صحته بدأت تدفع الثمن؛

اضطرابات في النوم،

إرهاق صباحي،

وثقل لا يعرف له سببًا…

وهو السبب.

قلت له يومًا بصراحة المحب:

يا صديقي…

ألن تتعب من الركض خلف الوقت؟

ألن تشتاق أن تمشي أمامه لا خلفه؟

صمت قليلًا…

ثم قال:

دلّني كيف أبدأ.

قلت له:

التغيير لا يحتاج معجزة…

بل يحتاج صدقًا.

خطوات مختصرة… ولكن حاسمة:

احترم الدقيقة… تحترمك الحياة. اجعل الموعد وقت وصولك لا وقت خروجك.

نم مبكرًا… تستيقظ قويًا. فبداية اليوم تبدأ من الليلة السابقة.

قدّم صلاتك… تُقدَّم في حياتك. رتّب وقتك حولها لا بعدها.

تناول عشاءك باكرًا… تمنح جسدك راحته. الصحة لا تنتظر المتأخرين.

هيّئ يومك قبل أن يبدأ. خطّط، رتّب، واستبق المفاجآت.

اسأل نفسك دائمًا: هل أؤخر أم أتقدم؟

ثم قلت له:

الفرق بين إنسانٍ متأخر… وإنسانٍ منضبط،

ليس في الساعة المعلقة على الجدار،

بل في القرار المعلّق في القلب.

ومن يقرّر أن يبدأ الآن…

لن يقول بعد اليوم:

كنتُ متأخرًا.

أخصائي التغذية العلاجية