الخالة بنت حجي علي: الكلمة التي ترى والخيال الذي يفيض

حكايات عابرة أودعتها ذاكرتي، أطلقتُ عليها ”أرشيف الحكايات“

يتضمّن قصصًا وحكايات من زمن الفطرة السليمة، زمن البدايات، كصفحاتٍ مضطربة تجر خلفها ضجيجًا يوقظ صمت الجدران.

في البيت الكبير، بيت العائلة، بين الجدران العتيقة والأرضية التي يفترشها الخوص، كانت الخالة بنت حجي علي، الأخت الكبرى لجدتي لأبي، تجلس، ضريرة العينين، لكنها ترى كل شيء بعمق القلب، كانت أصابعها تتحرك على الحصير كما لو أنها تلوح بخيوط الضوء في الظلام، وصوت الخوص بين يديها يشبه همسًا قديمًا يربط الليل بالخيال والحكاية.

وهي تسف الحُصُر والسفر والقفف «الزبيل» من خوص سعف النخيل، بعد نقع الخوص في الماء وجمعه في حُزم تُلف في قطعة من القماش ليظل الخوص محتفظًا بطراوته وليونته.

وبعد أن يتم سف الحصير وخياطته بالميبر، تدقه بالسنجة، وهي حجر أملس لونه رمادي، لتسوية طرفي الخياطة.

وبمجرد أن نسمع صوت دقات السنجة، نعرف أن الخالة بنت حجي علي قد انتهت من الحصير أو السفرة.

قالت لنا يومًا، وهي تُكمل خياطة السفرة: ”ليس كل شيء يُرى، وليس كل كلمة تُقال، بعض الكلمات تبقى حتى حين تختفي الأصوات“.

ومن خلالها فهمتُ أن الكلمة ليست مجرد صوت أو حروف، بل نافذة إلى عالم غير مرئي، ووسيلة لرؤية ما وراء الظلال، ولخلق الخيال الذي يعيش معنا.

الليل له طعم مختلف، معه تبدأ حكايات الدهشة.

نجتمع حولها في المساء، حين يهدأ البيت وتختفي أصوات النهار، ليبدأ عالم آخر، حيث تتنفس الريح بين الجدران الإسمنتية الجامدة، وتتحرك الظِلال عليها، لتظهر لنا خيالات تُخيفنا وسط العتمة.

عندها تصبح الكلمات جسورًا بين الواقع والخيال.

أكثر ما كان يُبهرنا سردها للحكايات، لم تكن مجرد كلمات، بل عوالم حية تنبض بالدهشة والخوف والجمال.

ومن أشهر حكاياتها ما كان يُنسج حول قصص الغرق والجنية التي تخطف الأطفال، لكون أن المنطقة ريفية زراعية، تكثر فيها عيون الماء، حيث كانت العوائل الريفية ترتاد عيون الماء للسباحة وغسل الملابس، فكانت حوادث الغرق تتكرر باستمرار.

في يوم من أيام القيظ شديد الحرارة، كانت بنت تلعب قرب عين الماء، الهواء ساكن، وأشجار النخيل تغض الطرف.

فجأة انجذبت البنت إلى وسط العين، ولم يكن حولها أحد، إلا الجنية. أخذتها إلى عالمٍ تحت الماء، مليء بالظلام، إلا صورة القمر المنعكسة على صفحة ماء العين، كشاهد ودليل، يتحدث ويختفي في ومضة ضوء غريبة.

أخبرتنا الخالة أن الطفلة لم تكن خائفة تمامًا، بل مفتونة بالدهشة، حتى ظهرت الجنية أمامها وقالت:

”سوف أحبسكِ وأحولكِ إلى جنية، وإذا أردتِ العودة إلى عالم البشر، يجب أن يقوم أحد بالغوص في العين لاسترجاعك، وأن يقدم لي أضحية تُرضيني“.

ثم روت لنا أن غواصًا شجاعًا تقدم لهذه المهمة، غاص في الماء الداكن وسط الظلام، يسمع همسات الجنية، ويرى أشياء لم يرها أحد من قبل.

كان الغوص صعبًا، لكن كلمات السلام والشجاعة كانت تفتح له الطريق، حتى تمكن من الوصول إلى بيت الجنية. طلب منها أن تُعيد الطفلة، لكن الجنية اشترطت على الغواص أن ينفذ لها ما تريد لإعطائه الطفلة وإعادتها إلى سطح الماء.

ووفقًا لشروط الجنية، قُدمت الأضحية، وأصبحت الطفلة آمنة.

كنا نسمع الخالة ونحن متجمدون، وكأننا نغوص مع الغواص، نشعر بالبرد، ونشم رائحة الطحالب، ونرى ضوءًا غريبًا يلمع في الظلمة.

من هذه الأمسيات أدركتُ شيئًا مهمًا، وهو أن الناس في زمن الخالة بنت حجي علي لم يكونوا يقرؤون أو يكتبون، ومع ذلك امتلكوا خيالًا واسعًا وبلاغة طبيعية في سرد الحكايات.

كل قصة، كل وهم أو جن أو غواص أو طفلة تحت الماء، تصبح حقيقية، تُرى وتُسمع وتُشعر، لأن الكلمة خرجت صادقة من القلب، ولم أنسَ أبدًا قوة الكلمة والخيال، وفهمت بعدها أن العالم أكبر مما تراه العين وحدها.

الخالة لم تكن حكاءة فقط، بل مِراخة أيضًا، تأتيها نساء البلدة ممّن تأخرن في الحمل، أو يعانين من مشاكل أثناء الحمل، وغيرها من المتاعب، لأخذ جلسات المساج «التمريخ» وبعض النصائح.

يضعن رؤوسهن بين يديها، فتهمس بكلمات تصل مباشرة إلى القلب، فتحرر الخوف وتزرع الطمأنينة. كنا نحاول اختلاس النظر من فتحة الباب لمعرفة ما يحدث، لكن ظلام الغرفة يحول دون معرفة ما يدور فيها.

كنا نراقب كيف تتحول الكلمات إلى طاقة، والهمس إلى شعور بالسلام، واللمسة إلى قوة خفية لا تراها العين.

كل قصة، كل همسة، كل ظل يُسرد، يصبح جسرًا بين الإنسان والخيال، بين الظلمة والنور، بين الواقع والسحر،

وأن الخيال الذي نحمله في قلوبنا ليس مجرد حلم، بل عالم كامل نعيش فيه مع كل حكاية تُقال.