الصديق
يجهل بعض الناس أهمية معنى الصديق وحقيقة مفهوم الصداقة، فيظنّ أن الصديق لا يتجاوز حدود المعرفة، أو العِشرة العابرة، أو الزمالة، أو لقاءاتٍ جمعتهم مناسبةٌ على مائدة طعام مرةً أو مرات. والحقيقة أن مفهوم الصديق أعمق من ذلك بكثير؛ فالصديق ليس بكثرة اللقاءات، ولا بمن يضحك معك فحسب، بل الصديق الحقيقي هو من يدلّك على الخير، ويبعدك عن الخطأ وسوء العاقبة، ويصدقك قولًا وموقفًا.
ولغويًا، فإن كلمة الصديق مشتقة من الصدق، أي صفاء النية، وصدق المحبة والمودة. فالصديق لا يغشك، ولا يستغيبك، ولا يكذب عليك، بل يكون خط الدفاع الأول عنك أمام كل من يسيء إليك قولًا أو فعلًا. هو حصنٌ متين لا تزعزعه العواصف الاجتماعية ولا المتغيرات الدنيوية، لأن العلاقة معه قائمة على قواعد راسخة قوامها المودة، والمحبة، والإخلاص، والوفاء.
وقد أولى الإسلام مفهوم الصداقة اهتمامًا بالغًا، فربطها بالقيم، وضبطها بالضوابط الأخلاقية، وجعلها إمّا سُلّمًا للنجاة، أو طريقًا للندم. فالصديق هو أول من يشاركك أفراحك وأحزانك، ويقف إلى جانبك في الشدّة قبل الرخاء.
والصداقة صناعة اجتماعية إنسانية، ليس من السهل تأسيسها على أرض الواقع؛ إذ تحتاج إلى جهدٍ دؤوب في البناء، حتى تبلغ مرحلة من العمق يفهم فيها الأصدقاء بعضهم بعضًا قبل أن ينطق أحدهم بحرف، ودون تكلف أو تصنّع. فالصداقة صندوق أمان تُحفظ فيه الأسرار، مهما كان حجمها أو خطورتها، والصديق منطقة أمان غير قابلة للاختراق.
والصديق الحق هو من يدلك على فعل الخير ويعينك عليه، ويصونك في غيابك، فضلًا عن كونه مستشارًا ومرشدًا لك في شؤون حياتك المختلفة. فالصداقة ليست علاقة اجتماعية عابرة، ولا مجرد تقارب مصالح أو انسجام وقتي، ولا كلمة فضفاضة، بل علاقة ذات عمق روحي وقيم إنسانية، لها أثر بالغ في بناء الشخصية، وتوجيه السلوك، وصناعة المصير.
وقد ورد في الحديث الشريف:
«المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالِل».
وهذا يدل على أن للصديق تأثيرًا عميقًا في أخلاق صديقه وقيمه وفكره، من حيث يشعر أو لا يشعر، فكلاهما مرآة تعكس صورة الآخر.
والصديق الصالح كنزٌ حقيقي، بل منجم من الكنوز؛ لأن نفعه دائم في الدنيا وما بعد الرحيل، إذ يبقى يذكرك بالخير ويدعو لك في كل وقت. ولهذا فإن اختيار الصديق ليس بالأمر السهل. وقد قال رسول الله ﷺ:
«مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير».
كما حذّرنا الله تعالى من خطورة اختيار الصديق، لما له من أثر بالغ في مصير الإنسان، إذ قد يكون سبيل هداية أو سبب هلاك، قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ۞ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾
«سورة الفرقان: 27 - 28».
وفي آية أخرى دلالة واضحة على بقاء الصداقة الصالحة وزوال غيرها، قال تعالى:
﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾
«سورة الزخرف: 67».
فهذه الآية تبين أن كل صداقة لا تُبنى على التقوى، والصلاح، والوفاء، والإخلاص، والمحبة، والمودة، تنقلب يومًا ما إلى عداوة في الدنيا ويوم القيامة، أما الصداقة التي أساسها الإيمان فهي الباقية النافعة في الدنيا والآخرة.
وفي تصوير بليغ لمعنى الصديق، يقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب
:
«الصديق من صدقك لا من صدّقك»،
أي من ينصحك، ويقوّمك، ويبيّن لك عيوبك قبل مزاياك بصدق وشفافية ومحبة، لا من يبرر أخطاءك ويتركك في غفلة من أمرك.
ويقول
أيضًا:
«عليك بإخوان الصدق، فإنهم عُدّة عند الرخاء، وجُنّة عند البلاء».
فالصداقة الحقة هي التي يتطابق فيها الظاهر مع الباطن، ويرى الصديق زينك زينه، وشينك شينه، ولا تغيّره الأحوال، ولا تبدّله متغيرات الدنيا، لا في مال ولا منصب. ولا يبتزك بمواقفك، ولا يعايرك بأخطائك، بل يعفو، ويسامح، وينسى، ولا يذكرك إلا بالخير، لأنه يحمل قلبًا نقيًا صافيًا من شوائب الحقد والهوى.
وقد لخّص الإمام الحسن المجتبى
هذا المعنى بقوله:
«الصديق من كان معك، ومن نفعك، لا من ادّعى محبتك».
والصداقة مسؤولية أخلاقية ودينية كبرى، وليست مجرد علاقة اجتماعية عابرة، بل عقد إنساني متين يترتب عليه حقوق وواجبات لا يجوز العبث بها أو التفريط فيها. وهنا يبرز سؤال مهم:
هل الصديق بديل عن الأخوة البيولوجية أو عن روابط الرحم؟
والجواب: لا. فالصديق ليس بديلًا عن أحد من أفراد الأسرة، لكنه ضرورة حياتية لا غنى عنها. فالزوجة ضرورة، لكنها ليست بديلًا عن الأم، والأبناء ضرورة، لكنهم ليسوا بدلاء عن الإخوة والأرحام. وكذلك الصداقة علاقة إنسانية ضرورية، لكنها لا تحل محل أي رحم أو علاقة أسرية، فلكل علاقة دورها، وحقوقها، وواجباتها، ودرجتها الخاصة من المودة والتقدير.
ومن هذا المنطلق، نفهم أن الصداقة في المفهوم الإنساني، وفي الإسلام على وجه الخصوص، ليست ترفًا اجتماعيًا، بل مسؤولية أخلاقية ودينية. فطوبى لمن اختار صديقًا يذكّره إذا نسي ذكر الله، وينصحه إذا أخطأ، ويعينه على فعل الخير، ويأخذ بيده إلى طريق الحق والصواب.
ذلك هو الصديق الحق، الذي تبقى صداقته في الدنيا مثمرة، وتكون نورًا وأمانًا في الآخرة.
قال تعالى:
﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ ۞ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾
«سورة الشعراء: 100 - 101».







