الاستاد عبدالله علي الزاير رجل منح الحياة معنى العطاء
في يومٍ حزين امتزجت فيه الدموع بالدعاء.. ودعت أم الحمّام رجلا نادرا.. ورمزًا خالدًا من رموز الوفاء.. الأستاذ عبدالله علي الزاير «أبو جمال».
الذي غادر الدنيا بعد صراعٍ مع المرض.. لكنه لم يتركها خالية.. بل ترك وراءه إرثًا من الخير والكرم.. وأثرا لا يمحى في ذاكرة كل من عرفه.
كان أبو جمال رجلًا ليس كغيره.. رجلًا لا تُقاس مسيرته بعدد السنين.. بل تقاس بحجم العطاء الذي وهبه للمجتمع.
عاش متواضعاً رحل عظيماً.. وبقي اسمه محفورًا بحروفٍ من ذهب في صفحات الوفاء.
رائدٌ في أرامكو قائدٌ في مسيرة الوطن
حين التحقت كوكبة من أبناء الوطن بشركة أرامكو السعودية في مراحلها المبكرة.. كان عبدالله علي الزاير من الرعيل الأول الذين أسهموا في بناء هذا الصرح الوطني.
لم يكن مجرد موظفٍ يؤدي واجبه.. بل كان شعلةً من الإخلاص والتميز.. وركيزةً أساسيةً في تطوير بيئة العمل والتعليم داخل الشركة.
تقلّد عدة مسؤوليات.. أبرزها الإشراف على مدارس أرامكو التعليمية.. حيث لم يكن يكتفي بإدارتها فحسب.. بل جعلها بوابة مشرقة للعلم والمعرفة.
وساهم في ابتعاث الطلاب السعوديين إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. واضعًا الأسس لجيل جديد من الكفاءات الوطنية.. التي عادت إلى الوطن وهي تحمل راية التقدم والازدهار.
لم يكن يرى التعليم مجرد أداةٍ للنجاح الشخصي.. بل كان وسيلةً للنهوض بالمجتمع.. فآمن بأن الاستثمار في العقول هو الطريق الحقيقي نحو بناء مستقبلٍ أكثر إشراقًا.
عطاءٌ بلا حدود والعمل الخيري رسالته الخالدة
بعد أن أنهى مسيرته المهنية في أرامكو، لم يختر الراحة أو الانزواء.. بل قرر أن يكرس حياته لما هو أعظم: خدمة مجتمعه.
تولّى رئاسة جمعية أم الحمّام الخيرية.. ولم يكن مجرد رئيسٍ يحمل اللقب.. بل كان قلبًا نابضًا بالعطاء.. يمنحها من وقته وجهده وماله.. ليحولها إلى نموذجٍ يحتذى به في العمل الإنساني.
كان يرى في العمل الخيري رسالةً تتجاوز المساعدات المادية.. فحرص على بناء مشاريع تنموية.. تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة المحتاجين.
لم يكن ينتظر الثناء.. ولم يكن يبحث عن الأضواء.. فقد كان يؤمن أن العطاء الحقيقي هو ذاك الذي يصنع بصمت.. لكنه يُحدث أثرا مدويا في حياة الآخرين.
رجل بحجم الإنسانية بسيطٌ في حياته
خالدٌ في أثره.. كان أبو جمال رجلًا لا يشبه إلا نفسه.. رجلًا تشعر بإنسانيته قبل أن تسمع كلماته.
عرف بوجهه البشوش.. وكلماته الدافئة.. وكرمه الذي لا ينضب.. لم يكن مضيافًا بالمعنى التقليدي فحسب.. بل كان مضيافًا بالقلب والروح.. لا يردّ محتاجًا.. ولا يتأخر عن إسعاد الآخرين.
كان صديقًا للصغير قبل الكبير.. يرى الجميع بعين الحب.. ويعاملهم كأفراد من عائلته الكبيرة.
كان من أولئك الذين يمنحون بلا حساب.. ويبذلون بلا انتظار المقابل.. لأنه كان يرى في العطاء حياةً.. وفي خدمة الناس طريقًا إلى رضا الله.
لقاءٌ لا يُنسى معلمٌ حتى في وداعه
تشرفت بزيارته برفقة إدارة النادي.. وكان اللقاء كما عهدناه دومًا: حافلًا بالحكمة والكرم.
نهلنا من خبرته.. واستمعنا إلى توجيهاته.. وكان حاضرًا بعطائه كما كان دائمًا.. فلم يبخل علينا بشيء.
كان يؤمن أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما نحققه لأنفسنا.. بل بما نمنحه للآخرين.. وكان هذا مبدأه الراسخ طوال حياته.
في ذلك اللقاء.. لم نكن نعلم أننا نودّع رجلًا استثنائيًا.. لكننا كنا نعلم أننا أمام قصةٍ ستُروى للأجيال القادمة.. نموذجًا للإنسان الذي يجعل من حياته جسرًا للخير.
وداعًا أبا جمال ستبقى حيًا في القلوب
رحل عبدالله علي الزاير جسدًا.. لكنه لن يرحل من ذاكرة محبيه.
ستبقى ذكراه نورًا يُضيء طريق كل من تعلم منه.. ولمسته حكمته.. واستلهم منه معنى الإنسانية الحقيقية.
نودّعك اليوم بألم الفقد.. لكننا نحتفي بسيرةٍ لم يعرف الحزن طريقًا إليها.. سيرةٌ عطره ملؤها العطاء.. والحب.. والوفاء.
نسأل الله أن يكرمك بواسع رحمته.. ويسكنك الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالحين.. ويحشرك مع من أحببت.. محمدٍ وآل محمد الطيبين الطاهرين.
وداعًا أيها الوالد الحنون.. والمربي الفاضل.. والإنسان النبيل.