صفعة.. وندم

كانت الضحكات تملأ المكان، تتراقص في الهواء كفراشات ملونة، والأطفال يملأون الأركان بهجةً وسروراً. كنت ألعب معهم، أتصابى كما لو أن الزمن عاد بي إلى طفولتي، والجو مفعم بالحياة، تتعالى فيه ضحكاتهم البريئة وتزهر الأرواح بمحبتهم.

لكن... فجأة... وكأن الفرح جريمة لا تُغتفر، هبّت رياح سوداء قطعت أنفاس اللحظة، رياح شعرت بها تتسلل إلى صدري مذ وقعت عيناي عليه.

الباب انفجر كصرخة، فتحه بعنف كأنما يقتلع الهدوء من جذوره. دخل... وجهه كالجمرة، عيناه تشتعلان بغضب أعمى، والشرر يتطاير منهما كأنهما نذير عاصفة.

صرخ:

- أين هو؟!

بلا تحية، بلا تفسير...

أجبته بهدوء تصنّعته رغم ارتعاش قلبي:

- ”من تقصد؟ ولماذا هذا الغضب؟“

لكنه لم يجبني... عيناه سبقتاه نحو ذاك الطفل، ذاك القمر الصغير الذي كان جالسًا على الأرض، منهمكًا بسيارة صغيرة أهديتها له البارحة... شعره الذهبي يتمايل على جبينه، ووجنتاه تزهوان بحمرة الحياة.

قبض عليه من تلابيبه كمن يصطاد عدوًا، وصفعه!

صفعة دوّت في أرجاء الشقة، هزّت جدرانها، وكسرت قلوبنا.

تحول الضحك إلى صمت ثقيل، وارتجف الأطفال كعصافير باغتها الصقيع.

السحابة البيضاء انقلبت سوداء قاتمة، وغادرت حمائم السلام إلى أعشاشها خائفة، لئلا ينقضّ عليها ”النسر“ كما انقضّ على واحدٍ منها.

تركه...

رماه أرضًا كدمية مكسورة، وبقي الصغير يتأوّه بصمت، واضعًا كفه الصغيرة على خده... على أثر الصفعة التي سلبت منه براءته.

**

في منتصف الليل، لم أستطع النوم، كان الصراخ لا يزال يتردد في رأسي، ووجه الصغير لا يغادر مخيلتي. ذهبت أبحث عن ”النسر“، أحمل في داخلي صرخة أم، غضب أنثى، وقلبًا مكسورًا.

وجدته يجلس في غرفة الجلوس، وحده، يحتسي الشاي، وقد عقد ساقاً فوق الأخرى وكأن شيئًا لم يكن. يحدق في التلفاز، بملامح جامدة.

وقفت أمامه، حجبت عنه الشاشة، فرفع عينيه نحوي وابتسم قائلاً:

- ”أهلاً.“

لكنني لم أُجبه، فهذه التحية لا تليق بمن أوجع قلب طفلٍ بريء.

قلت له بلهجة لم أعهدها في نفسي:

- ”أتدري ما فعلت؟! كل ما حدث كان لأنه تشاجر مع طفل الجيران؟! أهذا يبرر تلك القسوة؟! هل نسيت كل خصاله الطيبة؟ تفوّقه، أدبه، حرصه على الصلاة! لقد نكّلت بطفلٍ هو أفضل منك بأخلاقه!“

انهرت بالبكاء، وقلت أخيرًا:

- ”اذهب إليه، أظنه يشكو من أذنه... أظنه فقد سمعه يا رجل!“

واندفع من مكانه كمن أيقظته فجيعة...

**

في فجر اليوم التالي، حمله بين يديه كأنّه يحمل ذنبه، وهرول به إلى المستشفى، يبحث عن بارقة أمل، أو ربما عن مغفرة.

جلس في غرفة الانتظار، يداه ترتجفان، ووجهه شاحب كأنه لم يذق طعم النوم.

خرج الطبيب بعد سلسلة فحوصات، ونظر إليه بعينين لا تبشران بالخير، ثم قال بصوت خافت:

- ”للأسف... الصفعة كانت قوية جداً، وأثرت على أعصاب الأذن الداخلية... لقد فقد الطفل سمعه.“

تجمد الأب في مكانه. كأن الكلمات كانت مطرقة تهوي على قلبه.

**

دخل غرفة الطفل، وهو يرتجف كمن يُقاد إلى محكمة السماء. عيناه تفيضان بالدموع، وصدره يعلو ويهبط بانكسار.

اقترب من سريره، جلس إلى جانبه، أمسك بيده الصغيرة، ووضعها على صدره قائلاً:

- ”بابا هنا يا حبيبي... سامحني، أنا ما كنت أقصد... كنت غاضبًا فقط... لكني أحبك... والله أحبك أكثر من نفسي...“

كان يحدّثه والدموع على خديه، يردد كلماته وكأنها ستصل، وكأنها ستفتح أبواب سمعٍ أُغلقت إلى الأبد...

لكن الطفل لم يرد... لم يلتفت...

عيناه الواسعتان تبحران في الفراغ، لا ترد على نداء، ولا تتحرك لصوت.

عندها فقط، أدرك الأب أن صوته لم يعد يُسمع، وأن كلماته لن تعني شيئاً بعد الآن...

**

وقفتُ عند الباب، أنظر إليه، ثم قلت بصوت خافت لكنه ممزوج بكل وجعي:

- ”لقد حذرتك من غضبك... مرارًا حذرتك... قلت لك إن الغضب يعمي القلب، ويقسو باليد، ويقتل فينا ما تبقى من إنسان.“

ثم صمتُّ، ودموعي تسيل، قبل أن أتابع:

- ”لكنك لم تسمعني... والآن، هو أيضًا لم يعد يسمعك.“

أخصائي التغذية العلاجية