رسالة إلى ولدي

يا ولدي:

أكتب إليك اليوم وأنا أعرف تمامًا أن الحياة لن تنتظر أحدًا. ستكبر، وتمضي في دروبك، وستصادف أيّامًا تضحك فيها من قلبك، وأيامًا تُرهقك فيها التفاصيل حتى تنسى طعم النوم. ولهذا أردت أن أترك لك هذه الكلمات، لعلها تكون نورًا في عتمة ظلمة، أو سندًا عندما تحتاج صوتًا يشبه صوت أبيك.

أول ما أوصيك به يا ولدي: هو طلب العلم، لا تتعامل معه كواجب مدرسي أو مجرد شهادات تعلقها على الجدران. العلم سلاحك في هذا العالم، وبدونه تصبح كمن يسير في طريق طويل بلا خريطة. لكن تعلم لأجل الفهم، لأجل أن تكبر من الداخل، لا لأجل التصفيق أو الدرجات. اقرأ، اسأل، ناقش، وكن دائم الفضول، فالعقول التي لا تسأل تُصدأ وتتعطل عن التفكير وتكون محدودة الأفق.

ولا تنسَ إيمانك بالله عز وجل وهو ليس مجرد صلوات تؤديها ثم تمضي، بل هو الثبات وقت الحيرة، والأمل وقت الخوف والتوكل على الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة. الإيمان يا بني هو أن تعرف أن هناك حكمة في كل شيء، حتى في الألم. تمسّك بدينك، فهو مرساك حين تعصف بك الحياة، وهو ما سيُبقي قلبك حيًا حين تبهت الأشياء من حولك وهو ضميرك الحي والاطمئنان القلبي الذي تجده وقت الضرورة.

أذكر جيدًا أحد أجدادك كان رجلًا بسيطًا، لا يملك كثيرًا من المال، لكنه كان محترمًا، صادقًا، محبوبًا من الكل. لماذا؟ لأنه تمسّك بمبادئه الإيمانية ولم يبع ضميره، لم يغش في عمله، وكان يقول دائمًا: ”اللي يفرّط في مبادئه اليوم، يفرّط في نفسه بكرة“، تعلمت منه أن المبادئ ليست رفاهية، بل هي هويتك التي لا ينبغي أن تتنازل عنها، مهما كانت المغريات.

واحفظ حقوق الناس، كما تحب أن تُحفظ حقوقك. لا تأخذ ما لا يخصك، ولو كان شيئًا صغيرًا. عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، وكن منصفًا، حتى إن كان الأمر ضد مصلحتك. الناس تنسى الكلمات، لكنها لا تنسى المواقف. كن صاحب موقف شريف يرفع مقدارك، واجعل رب العالمين أمام ناظريك.

وإذا جاء يوم ووجدت نفسك في منصب أو مسؤولية، صغيرة كانت أو كبيرة، فلا تتهرّب. تحمّل مسؤوليتك، وافعل ما عليك دون أن تنتظر تصفيقًا. اعرف أن كل اختيار لك وعملك الطيب واجتهادك وتحملك يبني مستقبلك، فكن حكيمًا في اختياراتك وطريق دربك.

وأخيرًا، لا تعش الحياة وكأنها مجرد سلسلة من المهام. انتبه لشؤونك، لصحتك، لنفسك، لأهلك، لأحلامك الصغيرة التي تهمس بها لنفسك قبل النوم. لا تتركها تموت في الزحام.

يا ولدي:

الحياة ليست سهلة، ولن تكون، لكنها جميلة لمن فهمها. سر واخطو فيها بخطى ثابتة، لا تنكسر إن تعثّرت، ولا تغتر إن وصلت كن طيبًا، كن قويًا، كن أنت كما أنت، ولا تغرك المغريات لتنحيك عن طريق الخير. لا تنسَ أنني دائمًا هنا، حتى إن لم أكن بجانبك، فقلبي لا يبتعد.

محبتي الدائمة

أبوك.