الحشمة احترامٌ للنفس لا قيدٌ للحرية
تُعَدّ الحشمة من القيم الأخلاقية والإنسانية العميقة التي تؤدي دورًا محوريًا في تهذيب السلوك الإنساني وتنظيم العلاقات داخل المجتمع، فهي ليست مجرد مظهرٍ خارجي أو سلوكٍ وقتي، بل منظومة متكاملة تشمل الملبس والكلام والتصرف، وتعكس وعي الإنسان بذاته واحترامه لغيره. وقد احتلت هذه القيمة مكانةً أساسية في الفكر الإسلامي التربوي، إذ أولى الإسلام الحشمة اهتمامًا بالغًا لما لها من أثرٍ مباشر في حفظ الكرامة الإنسانية وصيانة المجتمع من الانحرافات الأخلاقية والانزلاقات الفكرية.
ومفهوم الحشمة لغةً هو الستر والحياء والوقار، وشرعًا هو التزام الإنسان بالسلوك القويم الذي يمنعه من إظهار ما يخلّ بالآداب العامة أو يثير الفتنة، سواء في المظهر أو القول أو الفعل. وهي قيمة فطرية تعزز التوازن بين الحرية الشخصية والمسؤولية الاجتماعية، فلا تُلغي الأولى ولا تُهمِل الثانية.
كما أن الحشمة في المجتمع تُشكّل سياجًا أخلاقيًا يحمي الفرد والجماعة من مظاهر الانحراف السلوكي والأخلاقي، وتصون القيم الأسرية والاجتماعية من التآكل القيمي والديني. وهي تبعث الطمأنينة والاستقرار، وتعزز الاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع. فالحشمة ضرورة عقلية وأخلاقية، ينبغي أن يتربى عليها كل إنسان، وأن تكون له عنوانًا بارزًا أينما حلّ، فهو في الدرجة الأولى سفيرٌ لنفسه، ثم لعائلته، فمجتمعه ووطنه.
وقد وردت آياتٌ كثيرة في القرآن الكريم، وأحاديث وأقوال مأثورة في السنة الشريفة، تؤكد مكانة الحشمة كسلوكٍ تربوي وإنساني وديني. قال الله تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]،
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5]،
وقال عزّ وجل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53].
وورد عن الإمام علي
قوله: «على قدر الحياء تكون العفة»، وقوله: «الحياء مفتاح كل خير»، وقال أيضًا: «ثمرة العقل الحياء»، و«الحياء شعبة من الإيمان»، و«الحياء يصدّ عن الفعل القبيح»، و«الحياء زينة الإنسان»، و«أفضل العبادة العفاف».
كما ورد عن الإمام جعفر الصادق
قوله: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، وقوله: «من لا حياء له لا دين له».
وتزخر الأدبيات الدينية الإسلامية بالكثير من النصوص التي ترشدنا وتربينا على الحشمة والالتزام بها في كل حركاتنا وسكناتنا اليومية، في الأقوال والأفعال والسلوكيات، فهي سموٌّ أخلاقي ينبغي العمل به، ومسؤولية مشتركة تقع على عاتق الفرد والمجتمع لبناء مجتمعٍ تسوده القيم والاحترام والأمان. والحشمة ليست قيدًا على حرية الرجل أو المرأة، بل هي سبيلٌ لصيانة الكرامة وحفظ القيم الدينية والأخلاقية، وهي مسؤولية متبادلة بينهما، يلتزم فيها كل طرف بحدوده وفق مبادئ إنسانية ودينية راسخة.
ويمتد هذا السلوك التربوي والأخلاقي ليشمل الواقع الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي، فالأمر سيّان؛ إذ ينبغي أن يكون المحتوى المنشور هادفًا ونافعًا، ويتجنب كل ما يخدش الحياء والذوق العام. ولا يجوز التهاون في تطبيق الحشمة، سواء في الملبس أو الكلام أو الفعل غير اللائق، لأن ذلك يؤدي إلى انتشار السلوكيات غير المنضبطة، وضعف القيم الأخلاقية، وإثارة الفتن، وغياب الحدود الواضحة في التعامل بين الجنسين.
ومن هنا يبرز دور الأسرة في غرس قيمة الحشمة من خلال القدوة الحسنة والتربية الواعية، فالحشمة مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء، لا تختص بجنسٍ دون آخر، ولا بزمنٍ دون زمن.








