هل نهجكم فاطمي !

 

المتمعن في التاريخ الإسلامي يجد كثير من الخطب والمواقف التي مر بها هذا التاريخ واتخذ فيها أهل البيت عليهم السلام موقفاً صارماً قوياً وبينوا فيه بشكل لايقبل اللبس والتأويل ليخلقوا فاصلاً وليقيموا تمايزاً واضحاً وجلياً بين الحق والباطل ، ومن بين هذه المواقف العظيمة موقف وخطبة السيدة فاطمة الزهراء - صلوات الله وسلامه عليها - بعد استشهاد الرسول الأعظم محمد - صلى الله عليه واله-  والإنقلاب الذي حدث في سقيفة بني ساعدة.

فالمتدبر بالخطبة التي ألقتها السيدة الزهراء - صلوات الله وسلامه عليها -  في مسجد النبي - صلى الله عليه واله - وخصوصاً في بعض مضامينها الراقية يجد معرفة واضحة لا لبس فيها بخصوص المنهج التي رسمته الزهراء - عليها السلام- لشيعتها ومحبيها وخصوصاً المتصدين لأمورهم من وجهاء وأهل علم ، وهنا أشير لقضية تاريخية مهمة جداً .

فقد ذكرت السيّدة الزهراء - صلوات الله عليها-  في خطبتها الشريفة، مخاطبة من كانوا يسمّون أنفسهم بالخواص والداعين إلى الإسلام ومن الأكابر والوجهاء والزعماء, وهو قولها صلوات الله عليها: (يامعشر النقيبة وأعضاد الملة وحضنة الإسلام! ما هذه الغميزة في حقّي والسِّنة عن ظلامتي؟).

فخطاب السيدة الزهراء - صلوات الله وسلامه عليها - عميق جدّاً وله دلالات مهمة, حيث بيّنت فيه تقصير المدّعين بزعامة المسلمين, حيث إنه لم يك متوقعاً من عامة الناس في ذلك الزمان أن يقوموا بعمل ما أو ردّة فعل, لأن الناس معظمهم من العوام, وكما قال الإمام أمير المؤمنين -  صلوات الله عليه- : "يميلون مع كل ريح" ، ولكن المشكلة الرئيسية هي في الخواص وأصحاب الفهم والعقل الذين لم يحرّكوا ساكناً وسكتوا وأغمضوا أعينهم.

ولسماحة المرجع آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي - حفظه الله- لفته جداً قيمة في هذا الصدد حيث يقول "خطاب السيدة الزهراء - صلوات الله وسلامه عليها-  كان موجهاً لأصحاب الفهم والعقل ، فأمثال هؤلاء تقع عليهم المسؤولية الكبرى لرفع الشبه والظلامات عن المجتمع لكي لايقع عليهم ويشملهم العذاب الإلهي" ويقول أيضاً "لهذا ترى أن العذاب الإلهي بالآخرة يكون بالغالب نصيب أصحاب الفهم والعقل الذين لا يبالون ولا يهتمّون بأصول الدين ويغضّون طرفهم ويغمضون أعينهم عن الباطل, ويسعون إلى تحقيق مكاسبهم ومطامعهم الدنيوية فقط. فبهؤلاء تمتلئ نار جهنّم ـ والعياذ بالله ـ كثيراً.

وضرب سماحة السيد مثالاً للمتظاهرين  بالعلم والقداسة عبر التاريخ,  وهو الزهري الذي عاصر مولانا الإمام زين العابدين صلوات الله عليه, وكان يحضر عند الإمام ويستفيد من علمه صلوات الله عليه, وكان من قضاة بني مروان, وقال : " قال الإمام السجّاد صلوات الله عليه للزهري : لماذا تصحب بني مروان؟ فقال الزهري: أستفيد منهم للأيتام والمظلومين. (وهذا منطق الكثير ممن يتظاهرون بالعلم والقداسة اليوم أيضاً). فقال له الإمام: إنّ ما يستفاده بنو مروان منك, هو أكثر مما تستفيده أنت منهم للأيتام والمظلومين. فهشام بن عبد الملك وبسببك جعل الكثير من الناس منحرفين وضالين, وهو يستفيد منك في تثبيت وتأييد ملكه, فصحبتك لهشام ذنب كبير, لا يجبره الألوف من الأعمال الحسنة.

 وعقّب سماحته, بقوله: إنّ مثل ما كان يقوم به الزهري هو كالصلاة بلا وضوء, وكالتوضّؤ بماء نجس! فلا فائدة من علم بلا تقوى. فقد قال مولانا الإمام زين العابدين صلوات الله عليه: (...فَإِنَّ الْعِلْمَ إِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ لَمْ يَزْدَدْ صَاحِبُهُ إِلاّ كُفْراً وَلَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلاّ بُعْداً).

فينبغي على أهل الدين والتقوى من علماء ووجهاء أن لا يقفوا صامتين أو يلتزموا الحياد في أي صراع أو ظلامة تطال الحق وأهله ، فأهل الباطل بلا شك سيستغلون صمتهم وحيادهم لبث أفكارهم، فهم بهذا السكوت خذلوا الحق وأهله، 

فأنت أيها المحايد من أهل العلم والتقوى ومن لك مركز وشأن واحترام اجتماعي، لديك قوة في ظهرك، فأجعله جسراً لأهل الحق ليس جسراً لأهل الباطل ، فبيانك وقلمك ينبغي أن يكون عوناً للحق وأهله. فالمجتمع اليوم في أمسِّ الحاجة إلى كلمة من أهل الحق تبصره بحقيقة وضعه، وبخيانة أهل الباطل ومكرهم ، وترشده إلى الطريق القويم حتى يسترد عزّه ومجده، من خلال محمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام.