اليائسون من المجتمع المدني العربي

 

 

في كتابه (المجتمع والديمقراطية والدولة في البلدان العربية – دراسة مقارنة لإشكالية المجتمع المدني في ضوء تريّف المدن) خلُص الدكتور متروك الفالح إلى "أن وجود تلك القوى الموصوفة بالمجتمع المدني لا أهمية له في إطار إحداث تحولات باتجاه الديمقراطية، وفيما يخص العلاقة بين الدولة والمجتمع. إن معظم التحولات الديمقراطية، إن لم يكن جميعها، في البلدان العربية (مصر والأردن واليمن والمغرب وحتى الكويت والسلطة الفلسطينية) على اختلاف درجاتها ومستوياتها وكذلك بعض الاتجاهات الإصلاحية السياسية في بلدان الخليج، تحولات وإصلاحات مصدرها السلطة ذاتها ورغباتها، وهي متأثرة بدرجة كبيرة برؤى وتداخلات خارجية أكثر منها داخلية. إنها تحولات باتجاهات ديمقراطية محددة أو مقيدة آتية من السلطة (من أعلى) وليس بسبب ممارسة القوى الموصوفة بالمجتمع المدني لدورها ووظائفها ذات الصلة نظريا".

ويرى الفالح أن النشاطات التي ارتبطت بتحولات ديمقراطية في بعض البلدان العربية، مثل البحرين والجزائر والأردن وحتى السعودية ما بعد أزمة الخليج، إنما قامت بها قوى اجتماعية تقليدية (دينية مذهبية أو طائفية أو قبلية وحتى مناطقية) ولم تكن صادرة بدرجة كبيرة عن القوى الموصوفة بالمجتمع المدني.

ومن خلال هذا التوصيف ينتهي الفالح إلى تبني فكرة مفهوم "المجتمع الأهلي" بدلا من مفهوم "المجتمع المدني". وهو ما يعني قبول الأمر الواقع، إذ إن الطائفية والقبلية والقوى الموصوفة بالدينية أو الأصولية – من وجهة نظره- لم تمانع من ممارسة الديمقراطية بل لم تمانع قيامها ونشاطها.

المتأمل في استنتاج الدكتور الفالح يشعر بيأسه من تطبيق نموذج المجتمع المدني كما يفهمه الغرب، ومن عجز هذا النموذج عن إحداث التغيير المطلوب في الدول العربية. وبالتالي، فلا سبيل سوى التكوينات التقليدية أداة للسير باتجاه الديمقراطية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، خصوصا بعد ما سمي بثورات الربيع العربي، هل ساهمت هذه التكوينات في التأسيس للديمقراطية المنشودة، أم أنها شكلت عائقا أمام تطبيقها؟ هل تحررت هذه التكتلات من انتماءاتها الآلية أثناء الحراك الاجتماعي، ووقفت مع مبادئ الديمقراطية الكبرى كأصل المساواة المدنية بين جميع أفراد الشعب في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص، بغض النظر عن انتماءاتهم وهوياتهم الأخرى؛ وكأصل سيادة الشعب باعتباره المصدر الوحيد لشرعية ممارسة السلطة، وأصل حق المشاركة السياسية في المجال العام، وأصل سيادة القانون، وأصل حقوق الإنسان؟

الواقع الذي عايشناه ولا زلنا نعايشه لا يقول هذا.

فقد شهدنا اصطفافات كثيرة على أسس غير ديمقراطية، تحركها الخطابات الغرائزية التي تعمل على تصوير الآخر المختلف على أنه شر مطلق، وأن مطالبه السياسية في المساواة والعدالة الاجتماعية والمشاركة الحقيقية ووقف التمييز مرتبطة بأجندات خارجية!!. وعلى وتر التناقضات قامت السلطات هنا وهناك بالعزف المنفرد لحرف الحراك الاجتماعي عن مساره، ونجحت إلى حد بعيد، حتى فقد الربيع العربي نكهته أو كاد.

ليس المطلوب هو تصفية التكوينات الاجتماعية التقليدية من مجتمعاتنا العربية كي يكون لدينا مجتمع مدني. ولكن المطلوب هو إحداث تغيير ثقافي عميق في بنية هذه التكوينات باتجاه القبول بمفهوم المواطنة كأساس تبتنى عليه العلاقات بين مختلف المكونات.

إن هذه التكوينات تلعب في كثير من الأحيان دورا سلبيا في المسيرة الديمقراطية نظرا لوقوعها في فخ المحاصصات بكافة أشكالها، وقدرتها الهائلة على طمس النزعة الفردية للمنتسبين إليها، بالإضافة إلى تغليبها مصالحها الذاتية، مما يجعلها عرضة للمساومات والتنازلات الانفرادية مع السلطة، وهو ما نشهده في واقعنا العربي المعاصر.

وكما يقولون: فاقد الشيء لا يعطيه. فإذا لم تكن هي ديمقراطية في بنيتها وهيئتها وممارستها، فكيف يمكن لها أن تطالب بالديمقراطية الحقة؟

شاعر وأديب