المثقفون وصناعة التدليس

 

 

 

من أسوأ ما تبتلى به الأمم في مسيرتها أن تنشط فيها تجارة المثقفين المدلسين، الذي يتقنون صناعة الوهم وتسويقه، لأن ما يقوم به هؤلاء أشد بلاء مما يفعله تجار المخدرات، إذ المخدرات خطرها جلي، وبائعها خفي. بينما تجارة التدليس الثقافي خطرها خفي وبائعها جلي.

والتدليس هو إراءة الشيء أحسن مما هو في الواقع ليصبح ذا قيمة أعلى. وهذا أمر واضح في تعاملات السوق اليومية. أما حين نتحدث عن سوق صناعة الأفكار والرأي العام، فالأمر مختلف تماما، إذ يتم التدليس فيها باحترافية ومهنية أكبر، حيث أصبح التدليس صناعة قائمة بذاتها تستخدم آخر نظريات التواصل والتأثير الجماهيري وغسل الأدمغة وخلق القبول بما يجعل المتلقي يشعر أنه المنتِج وليس مجرد مستهلك تم تطويعه وترويضه وإعادة تخليق ذوقه الثقافي وتزييف وعيه السياسي.

والمثقفون المشاركون في صناعة التدليس لا يقتصرون على المثقفين بالمفهوم الضيق للكلمة، بل يشملون قطاعا عريضا جدا، أي المثقف كما نظر له المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، والذي يضم طيفا واسعا من المهن ذات العلاقة بصناعة الرأي وإنتاج المعرفة، كالصحفيين والكُتاب والروائيين والإعلاميين المحترفين، وخبراء السياسة، وصناع القرار، والمستشارين، والمحللين، ومنتجي الأفلام والمسلسلات والألعاب، وغيرهم.

يضاف لهم أيضا الجيوش الإلكترونية المجندة لتوجيه أو إعادة توجيه الرأي العام.

هم باختصار المجموعة التي قال عنهم المفكر الفرنسي جوليان بندا: إنهم كانوا يُستدعون لا ليقولوا بل ليعززوا سياسة الحكومة ، وليطلقوا الدعاية ضد الأعداء الرسميين ، وليحجبوا الحقيقة باسم الشرف الوطني.

جوليان بندا صاحب كتاب ( خيانة الأكليروس ) أو كما ترجم للعربية ( خيانة المثقفين ) يرى أن المثقف الحقيقي هو ذلك المدافع أبدا عن المعايير الأزلية للحق والعدل، وأن التخلي عن ذلك خيانة.

إن ما يمارسه اليوم الكثير من المثقفين – وللأسف الشديد – من تدليس يزينون به ظاهر الواقع البائس، ويحجبون عن المريض حالته الصحية المتردية بدعاوى مختلفة، يجعلهم أول المساهمين والمشاركين في تخلف الأمة الحضاري على كافة المستويات.

يتحدثون عن الديمقراطية باعتبارها منتجا غربيا غير قابل للتطبيق في البلاد العربية، بل علينا – من وجهة نظرهم – أن ننتج ديمقراطيتنا الخاصة بنا. ويعنون بذلك الديمقراطية التي لا تغير من توازنات الواقع، بل تشرعن له دون أن تكلفه الاستجابة لمتطلباتها.

ويتحدثون عن الفساد كقدر لا مفر منه، ينبغي تطبيع العلاقة معه، أو في أحسن الأحوال تقليم بعض أظافره دون قطع يده.

ويتحدثون عن البطالة المستشرية، وتردي الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية، وتصاعد الأزمات الخانقة كالسكن والغلاء وغيرها بمبررات متهافتة، ويأتون بحلول ترقيعية تجميلية، لا تزيد طين المأساة إلا بلة.

هؤلاء هم تجار ثقافة التدليس، فاحذروهم..

شاعر وأديب