المرأة السعودية تنتخب: كذبة أبريل!!!

 

   شهدت البشرية في مختلف مراحل نموها وتطورها، استفتاءات وانتخابات بدرجات نجاح متفاوتة، حيث ما حققته غالبية الدول المتقدمة يكمن في سبل إشراك الأفراد في قرارات مجتمعاتها وبلدانها، وهو ما جعلها تعترف اليوم بأهمية المشاركة في إدارة الشؤون العامة كحق أساسي من حقوق الإنسان في كل منطقة من مناطق العالم. ويأتي في مقدمة هذه الحقوق وعلى رأسها " الحق في إنتخابات حرة ونزيهة " والذي تعد وسيلة أساسية لتعبير الشعب عن إرادته الذي هو أساس سلطة الحكم ذاتها.

   إن الإنتخابات الحرة والنزيهة هي وسيلة الشعب لترجمة حقه المشروع في تقرير مصيره وضمان مستقبله عندما يعبر عن نفسه عبر صناديق الإقتراع بإختيار مرشحيه، ونظام الحكم الذي يرتضيه، وإنتخاب الرئيس والمسؤول والممثل الذي يفوضه بسلطة التعبير عنه.

   " وقد شهد التاريخ أيضا ماقبل الحرب العالمية الثانية ومابعدها أن الحكومات الإستبدادية التي لم يتم إختيارها من جانب شعوبها بإنتخابات حرة ونزيهة هي الحكومات المثيرة للمشاكل والإضطرابات المستمرة داخل أوطانها وخارجها، وكانت ومازالت هي الحكومات المهددة بإنقلابات عسكرية أو حركات تمردية أو مؤامرات إغتيال لرموزها، وتكون عرضة للصراعات والنزعات والعنف " ولنا في الثورات الأخيرة والمتعاقبة في تونس ومصر أجل الدروس والعبر، وهانحن نراقب عن كثب مايجري من تدخل عسكري في ليبيا وما يحدث للشعوب المناضلة من أجل حقوقها في اليمن مشاهد ومجازر دامية وتهديد بعصيان مدني في مقابل تشبث بالحكم ورفض تداول سلمي للسلطة، وفي البحرين ما يتعرض له الشعب المسالم من إلتفاف على مطالبه المشروعة أستطيع أن أصفه بحرب تطهير عرقية وإبادات جماعية، ناهيك عن ما يتعرض له إخوتنا هناك من إعتداءات وإعتقالات وتصفيات، وإقتحام للمدارس وهجوم على المستشفيات والمؤسسات وبطش وإنتهاك للحرمات لم يسلم منها شيخ كبير ولا إمرأة أو حتى طفل صغير، وفصل قسري عن العمل وسجن النساء وإستفزاز الأهالي وترويعهم وهدم مبرمج للمساجد ومقرات المعارضة، إنها لمآسي يدمى لها القلب ويئن لها الضمير، تعبرعن ظلم فادح لإنتهاكات حقوق الإنسان والتي تجاوزت بل فاقت كل الحدود الإنسانية والشرعية والدولية. إن في أحداث ما جرى في الدول العربية وما يجري في البحرين اليوم لتجربة حية وواقعية للأنظمة المستبدة، التي تستأثر بالسلطة وتتفرد بالقرار وتحرم شعوبها من حق المشاركة في إدارة شؤونهم وتجعلهم عرضة للتهميش والإقصاء.

   و تبقى بلا أدنى شك أن الإنتخابات الحرة والنزيهة أسلوب سلمي في التغيير وحق أساسي من حق الشعوب، أشير إليه في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في فقرتيها الثالثة والخامسة، عندما ألمحت إلى أن إحترام حقوق الإنسان هو المقدمة الضرورية لتحسين مستوى الحياة في جو من الحرية لا تعكره التمردات على الطغيان والإضطهاد.

   بينما مجتمعاتنا العربية وللاسف فرضت نظم حكم شمولية دكتاتورية قمعية على الشعوب، هذه النظم التي عادة ما تتعامل بسياسة القطيع وتسود بسياسة " فرق تسد " بتقسيمات وتصنيفات ومسميات ما أنزل الله بها من سلطان، فتحتقر شعوبها وتهين كرامتهم وتسلب حقوقهم بشتى الوسائل والطرق، وفي نفس الوقت تحول بينهم وبين مشاركتهم في إنتخابات حرة ونزيهة، لا يشوبها تزوير أو تزييف أو فرض إرادة من تيار متنفذ أوحزب مستبد. وقد أثبتت تجارب هذه الأنظمة على مدى تاريخ طويل عن حقيقة الإفرازات التي ولّدتها من جهل وفقر وحرمان وفساد وتخلف نتيجة لإستعبادها شعوبها وإستبعادهم، وماذا كانت النتيجة؟

   الأحداث التي نشهدها ونعايشها، منذ بداية الشرارة التي أطلقها البوعزيزي إلى ما آلت إليه الأمور اليوم، إحباط إرادات الأفراد والجماعات في إمكانية تغيير الحكومة وأشخاصها بوسيلة سلمية بإجراء إنتخابات أوتداول سلمي للسلطة وإستخدام ديمقراطية حقيقية تلبي مطالب الشعوب، يعبرون فيها عن إرادتهم وخيارهم سواء في الإبقاء على الحكومة وأشخاص السلطة أو تغييرهم بطريقة سلمية، كان مقابلها المجابهة القمعية والإعتقالات التعسفية ومصادرة الحريات، والقبض التعسفي، وإضطهاد المعارضين السياسيين وتغييبهم في السجون والمعتقلات وإثارة التوتر في حياة الشعوب.

و عليه يمكننا التساؤل: لماذا الخوف من الإنتخابات النزيهة؟

لأن الهدف الأساسي من الإنتخابات، يجمع بين إرادتين إرادة الشعب «مصدر السلطة» في ممارسة حقه بالتعبير عن رأيه ومشاركته على قدم المساواة، وإرادة تعكس جدية الدولة والنظام في عملية الإصلاح السياسي ضمن مناخ مناسب تتوافر فيه مجموعة من حقوق الإنسان الأساسية، ويعمل فيه على إزالة الحواجز الحائلة دون المشاركة الكاملة للمواطنين. أيا كانت هذه الإنتخابات التي تهم الشعب فتحدد مصالحه وتقرر مصيره سواء كانت على مستوى العاصمة أو مستوى القرية أوالمدينة والإقليم.

بكلمة: ما جعلني أتناول هذا الموضوع هوتصاعد الحديث هذه الأيام في الشأن السعودي الداخلي عن حرمان المرأة وإبعادها من المشاركة في إنتخابات المجالس البلدية خصوصا بعد تصريحات اللجنة المعنية " بأن التجهيزات لم تكتمل "!! وهي الحجة ذاتها لأكثر من ستة أعوام ولم تتمكن اللجنة من إيجاد أسباب جديدة أكثر إقناعا للمجتمع السعودي، لتبرر تجاهلها للمرأة كمواطنة وإنسانة، واعدة بمشاركة الجميع بمن فيهم المرأة في المستقبل، مؤكدة أن النظام لا يمنع مشاركة المرأة ولا يفرق بين الجنسين، ولكنها قامت متفضلة بتجاهل النظام وحرمت نصف المجتمع من حقه كمنتخب ومرشح "

إن مثل هذا القرار بالطبع قرار مرفوض وتنبني عليه قيام إنتخابات عرجاء ومبتورة تثبت عجز الدولة عن إستيعاب المرأة كعنصر أساسي ورئيسي في عملية التطوير والبناء والتنمية الشاملة، كما يمهد لإقصاء المرأة في مجالات مختلفة ويؤدي إلى حرمانها من إستحقاقات مستقبلية قادمة. وإن إصدار مثل هذا القرار وإستبعاد الفئة المعنية به لصالح جهات متنفذة وخضوعا لرغباتها يتنافى مع المصلحة العليا والعامة للبلاد.

و رسالتي لكل امرأة سعودية، عليها أن تعرف أن مشاركتها في الإنتخابات حق إنساني وواجب وطني ومسؤولية إجتماعية تعبر بها المرأة عن ذاتها وحرية إختيارها وإرادتها الحرة وتمارس فيها دورها، وحرمانها من المشاركة يعتبر تمييزا وإقصاءا ضدها لايمكن تبريره بحجج واهية لا يرتضيها مشرع عاقل ولا يحتكم إليها قانون. فالمرأة معنية تماما ومسؤولة كما الرجل فالسكن والشارع والحديقة والنقل والبيئة والخدمات معنية بها المرأة كما الرجل تماما.

كما أن القيم العليا للإنتخابات تعني الكثيراليوم للمجتمع السعودي وللمرأة خاصة في ظل ما يتمتع به العالم من صحوة حقوقية إنسانية ديمقراطية عارمة، فحكم الوصاية بات مرفوضا، والسير برجل واحدة وسط مجتمع يسعى البعض لتحويله إلى مجتمعا أعرج يهوى المشي على عكازة واحدة لا تتناسب مع طريق المستقبل، لم يعد مقبولا أيضا، في طور تسارع المتغيرات وفي ظل الظروف التي تعيشها المنطقة، فقد أصبح المجتمع يدرك حجم التطورات العلمية والمعرفية والتكنلوجية والتنموية والتسابق نحو بناء مستقبل واعد يحفل بسيادة القانون وإحترام الديمقراطية والحريات والعدالة الإجتماعية وإحترام حقوق وكرامة الإنسان، فتأبى تطلعات المرأة السعودية إلا أن تكون شريكة في ذلك.

لا مناص أن الإنتخابات هي جوهر الديمقراطية، والديمقراطية ليست بإدلاء الأصوات فقط، بل هي أن يشعر كل مواطن في المجتمع «امرأة أو رجل» بضرورة مشاركته في التفكير والتخطيط والمساهمة في صنع القرارات المصيرية والمهمة المرتبطة بحياته ومستقبله، وليس منفذّا فقط لما يفكر به الآخرون ويقررونه بدلا عنه، والنظام الأساسي للحكم كقانون، كفل حق المرأة السعودية كمواطنة، وقد ورد في المادة الثامنة " أن الحكم في المملكة العربية السعودية يقوم على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية ".

والإنتخابات يجب أن تقوم على مبدأ إحترام عدم التمييز لتأمين تساوي الجميع في فرصة المشاركة في العملية الإنتخابية، والحق في حرية التمتع بحماية القانون دونما تمييز
حسب ما ضمنته القوانين الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان " المادة 2، 7" وكما عرّفته المواد " 2 «1» و3 و26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
" الناس جميعا سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متساو بحمايته، وفي هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أي تمييز، وأن يكفل لجميع الأشخاص على السواء حماية فعالة من التمييز لأي سبب، كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أوالإجتماعي، ذأو الثروة أو النسب أو غير ذلك من الأسباب " و" تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة تساوي الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها ".

إن تتطلع المرأة السعودية للمشاركة في إنتخابات المجالس البلدية فذلك حقها وعليها إنتزاعه، وإن لم يكن بالتمكين فليكن بالتعيين، والرهان الأكبر على مشاركة المرأة مستقبلا في إنتخابات عامة ونزيهة لبرلمان أو مجلس شورى منتخب، وأيضا مجالس المناطق المنتخبة، ومن ثم البقية تأتي على جميع المستويات المحلية والمركزية، وعلى قدم المساواة بين المرأة والرجل، والمواطنة السعودية ليست إمرأة ناقصة فقد أثبتت جدارتها في مواقع عدة ومجالات مختلفة، يشهد لها القاصي والداني لكن لماذا تحرم من المناصب العليا والمراكز القيادية ولماذا لاتحتذي بمثيلاتها من النساء في مختلف دول العالم؟

ألم يقل المولى سبحانه ﴿ المؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله التوبة 71
إذن يبقى الأمر يعول:

أولا على المرأة السعودية الواعية الملمة بحقوقها وواجباتها في التعاطي مع مجريات الحدث، وما المبادرات التي إتخذتها الناشطات في حملة " بلدي" على مستوى مناطق المملكة، وقيام مجالس بلدية موازية على مواقع النت تكون مكملة ومساندة للرجل، وإيصال الصوت للجهات المسؤولة لجهود عظيمة تنم عن تطلعات وعي متقدمة للمرأة والتي ترفض من خلالها سلب رأيها وإرادتها وتقييد حرية إختيارها التي هي حق من حقوقها كشريكة تعيش على هذه الأرض.

ثانيا: القانون وحده لايكفي لضمان حقوق المرأة، إذ لابد من قناعة الرجل والمجتمع ككل بكفاءة المرأة وقدرتها وهذا هو الأهم، وقد أثبتت المرأة السعودية جدارتها في ميادين عدة لايمكن نكرانها وتغافلها، لكن العتب على البعض من المثقفين والداعين للمرأة ومشاركتها والواعين بأهمية دورها فهم يصدحون بأصواتهم في المحافل والتصريحات والمنتديات، لكن للأسف حين يتطلب منهم الموقف إنصاف للمرأة، أو يشعرون أنها تزاحمهم في إدارة جمعية أو مؤسسة أو حتى إجتماع ينبني عليه قرارات حاسمة ومستقبلية، هنا يظهرون على حقيقتهم فيهربون وينهزمون ويتراجعون، مما يتطلب الأمر تفهم الرجل بأن الكفاءة تفرض نفسها، وأن وجود المرأة في موقع قيادي قوة إضافية لقوته تنهض بالوطن، مما يزيد الحاجة لمضاعفة الجهد والنضال المستمر من الجهات والمؤسسات المسؤولة لدعم حقوق المرأة وتوعية المجتمع بها.

ثالثا: دعم المرأة للمرأة، بتشكيل قوى نسائية فاعلة تتحمل المسؤولية وتتجاوز العقبات والحساسيات وتتعامل برقي لمؤازرة المرأة، فنجاح أي إمرأة في أي موقع نجاح للجميع، وفوز أي سيدة في منصب أو موقع قيادي هو مكسب للجميع، كما يتطلب ذلك تجاوز المشاكل النفسية التي تعترض المرأة عندما ترى زميلتها أو أختها متقدمة عليها يلتهمها الحسد والغيرة وتبدأ تمارس دورها في التشويه وتصيد الأخطاء والعثرات وبث الإشاعات والدعايات ضدّها، فبدل أن تكون خير عون تمارس دور فرعون.. وهذا من الأسباب المهمة لتخلف المرأة في مجتمعنا.

وأخيرا: الإنتخابات بحاجة إلى تأمين المناخ المناسب، وهذا المناخ مبين وبوضوح مادة مادة في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، والتي تحمي عددا من حقوق الإنسان الأساسية التي يعد التمتع بها حاسما لقيام عملية إنتخابية ذات معنى وقيمة حقيقية من الحرية والنزاهة وبعيدا عن التلاعب، بالذات في فترة الإنتخابات مثل توافر حرية التعبير، والإعلام، والتجمع، وتكوين الجمعيات وحرية الأمن العام من التخويف وغيرها.

وفي الوقت الذي تكون فيه الحكومات ملزمة بتطبيق مواد الإعلان العالمي ووالمواثيق الدولية التي وقعت وصادقت عليها، في ذات الوقت هي مطالبة بالإصلاح والتغيير العاجل لتلبية مطالب ومشاركة شعوبها السلمية بحيث لا تدع مجالا للرغبة في التغيير بالقوة المسلحة أو بالتمرد العام وبالإضطرابات المتوالية وزعزعة الأمن والاستقرار... وللمرأة رب ينصفها... والله المستعان.

المراجع
• قانون حقوق الإنسان التطبيقات الوطنية والدولية، د. الشافعي محمد بشير ص 211
• مواثيق حقوق الإنسان والإنتخابات للأمم المتحدة، مركز حقوق الإنسان ص26
كاتبة وباحثة سعودية «صفوى».