مهدي الفرج ونور العطاء
في عتمة التحديات اليومية، والضغوط الحياتية المتزايدة، تبرز في كل مجتمع فئة من البشر يختارون أن يكونوا ”مشاعل للخير“. هذا المفهوم لا يقتصر على تقديم المساعدات المادية فحسب، بل يمتد ليشمل كل فعل، أو كلمة، أو مبادرة تهدف إلى إضاءة دروب الآخرين وبث الأمل في نفوسهم، لتحويل طاقاتهم الإيجابية إلى منارات تسترشد بها المجتمعات نحو التكافل والترابط.
فالأثر النفسي والصحي لصنَّاع الخير لا ينعكس إيجاباً على المتلقي فقط، بل يمتد أثره العميق إلى نفسية المعطي أولاً.
تشير الدراسات النفسية والسلوكية إلى أن تقديم العون للآخرين يساهم في التخلص من القلق، وتقليل مستويات التوتر والضغوط النفسية الناتجة عن الانكفاء على الذات، كما تحفز هرمونات السعادة، وتعزز الشعور بالرضا والسلام الداخلي، ناهيك عن تزكية النفس من خلال تنقية الروح من الأنانية، وتدريبها على العطاء الصافي دون انتظار مقابل مادي.
وللعطاء مظاهر في الحياة اليومية، تتعدد من خلاله الأشكال التي يتجسد فيها هذا المفهوم ليتناسب مع قدرات كل فرد، ومن أبرز هذه المظاهر، الكلمة الطيبة والابتسامة، وهي أبسط مشاعل الخير التي تمنح الأنس والاحتواء للمحيطين بنا وتكسر حدة الجفاء الاجتماعي.
والمبادرات التطوعية والمؤسسية تحوِّل الجهود الفردية إلى عمل مؤسسي مستدام يدمج التدريب والتمكين بالعمل الخيري، لتأهيل الأفراد وجعلهم فاعلين في مجتمعاتهم.
كما أن التنمية المستدامة ليست مجرد ”إغاثة مؤقتة“ بل ”تنمية مستدامة“ تمنح المعارف والقدرات التي تضمن للفرد الاعتماد على ذاته.
إن إيقاد شمعة صغيرة في طريق إنسان محتاج أو حائر خير بآلاف المرات من لعن الظلام. وكلما زاد عدد حاملي هذه المشاعل، اتسعت رقعة الضوء وانحسرت دروب اليأس، ليبقى العطاء الإنساني هو الحصن المنيع الذي يحمي نسيج المجتمعات ويضمن رفعتها.
هذه الصفات كلها كانت في فقيدنا العزيز مهدي الفرج، وإن عز علي أن اكتب متأخراً عنه بعد رحيله لكنه من السمات التي يجب أن نتخلى عنها وعلينا أن نحتفي بمن هم معنا قبل رحيلهم.
الأخ والصديق الوفي مهدي الفرج علاقته ليست مقتصرةً مع أفراد مجتمعه الخاص ”الصم“؛ بل كانت ممتدة مع الناطقين، لذا تجد حضوره الفاعل في المناسبات الاجتماعية بشتى أنواعها أفراحاً وأتراحاً.
أدواره مع فئته كانت واضحة؛ فهو حلقة الوصل الأولى لسنين طويلة، فهو صاحب المبادرة في جمع الصم في المحافل الاجتماعية، كالمسابقات التي كانت تنظمها اللجنة الثقافية بنادي السلام عبر المسابقة الرمضانية.
كما كان دوره الواضح في تأسيس لجنة أصدقاء الصم والتي أخذت على عاتقها ترجمة المناسبات الدينية من مجالس ودروس فقهية توعوية، بل كان يستضيف السيد نجيب العلي في منزله طوال فترة العشرة من محرم وأيام المناسبات، فهو من المؤسسين لهذه اللجنة التي أخذت على عاتقها تسهيل وتقديم الخدمات للإخوة والأخوات الصم.
وقد شهدتُ معهم فترات من أجمل لحظات العمر؛ حيث كان هناك تجمع سنوي يجمع الصم من دول الخليج والأحساء والمدينة المنورة في كرنفال أشبه بلقاء تآخٍ قلَّ نظيره، يكون في يوم أو أكثر وتقام فيه البرامج الاجتماعية والثقافية والرياضية، وللأسف مع الزمن انحسر هذا اللقاء، وقد كان للمرحوم دور كبير في التواصل والتنسيق.
شخصية رغم إصابتها بالصمم إلا أنها كانت تدرك وتتحمل الكثير من الأدوار لحياة سعيدة للصم، ورغم هذا العطاء لم يكن يهتم بالأضواء والبروز بل كان يعمل بكل ما أوتي من خلف الكواليس.
أسأل الله أن يتغمده بواسع الرحمة ويجعله في أعلى عليين مع محمد وآله الطاهرين ويربط على قلوب الفاقدين بالصبر والسلوان، والحمد لله أولا وآخرا.













