الأخوة الزائفة.. إخوة يوسف نموذجًا
من لا يدرك مفاهيم الأخوة الإنسانية، لن يستطيع ممارستها وفق المعايير الدينية والأخلاقية، لا على الصعيد الشخصي والأسري، ولا على الصعيد الاجتماعي. قد يقع البعض في مأزق فهم معني الرباط الأخوي الأسري والعائلي والاجتماعي، الذي ينطلق من أساس التناسل البشري ومن المفاهيم الدينية والاجتماعية، والذي بدوره يحدد الروابط الاجتماعية والمسافات العاطفية والأخلاقية بين شخص وآخر، وفق المعطيات والمفاهيم الإنسانية والدينية والعرفية.
تمر علينا بين الفينة والأخرى سورة يوسف ، وهي من القصص القرآنية التي فصلت غالب فصولها وأحداثها المأساوية التي مر بها نبي الله يعقوب وابنه نبي الله يوسف «عليهما السلام»، وكيف كان الصراع بين النبي الأب
مع أولاده من جهة، والصراع المرير الذي مر به نبي الله يوسف
مع إخوته من أبيه من جهة أخرى
عاش جميع أبناء نبي الله يعقوب تحت سقفه وكنفه، أي بين أيدي تربية ورعاية رسول سماوي فيه كل السمات والكمالات الإنسانية والأخلاقية والروحية، والأنبياء من سجيتهم وسماتهم البارزة الكمال في الخلقة والخلق، الحب والمودة والعطاء حتى النفس الأخير، وذلك لحبهم الخالص لهداية الناس وإصلاح أمورهم الدنيوية والأخروية، فالأنبياء لا ينظرون إلى مخالفيهم بأنهم أعداء لشخوصهم أو لهم بشكل عام ولو نُشروا بالمناشير، وقد حصل هذا بالفعل لبعض أنبياء بني إسرائيل، بل ينظرون إليهم بعين الرحمة والرأفة على أنهم قوم ضالون عن الحق والصواب، فلذلك يشفقون عليهم ويعيدون الكرة لهدايتهم المرة بعد الأخرى، حتى يتبصروا ويعرفوا الحق من الباطل ويخرجوهم من الظلمات إلى النور، وهذا عين تكليف الأنبياء والرسل نحو هداية البشر وتحمل أعباء الرسالة بكل جوانبها الإنسانية والفكرية والدينية والاجتماعية.
وبين هذه الأجواء التربوية النبوية والإيمانية المفعمة بروح التقوى والمتجلية بنور الله، عاش أبناء نبي الله يعقوب وإخوة يوسف ، إخوة كما وصفهم القرآن الكريم بالعصبة، ولكنهم عصبة في الشر لا في الخير، لهذا عاقبهم الله أربعين عامًا حتى يعودوا لصوابهم ورشدهم. قالوا: ”لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ“.
والعصبة تعني في وصف إخوة نبي الله يوسف الجماعة المتماسكة والقوية، ولكنهم وظفوها في مشروع الشر والحسد والحقد والكراهية وحب الذات ”الأنا“، فلم يكونوا إلا نموذجًا سيئًا لعنوان الأخوة برغم أنهم متماسكون ومتعاضدون ومتعصب بعضهم لبعض لدرجة أن القرآن الكريم وصفهم بالعصبة، إلا أنها عصبة مشيطنة في فكرهم وأفعالهم ومنهجهم، ولا أدل على ذلك مما جاء في قوله تعالى عن لسانهم: ”إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ“. والعصبة كما هي في تفسير الميزان: إن العصبة هي الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض، والتعصب هو أبرز سمات الفكر الظلامي، وهنا كذلك يتضح حسدهم وحنقهم على أبيهم وأخويهما يوسف وبنيامين وغيظهم على أبيهم يعقوب في حبه لهما أكثر منهم.
ولأجل أن نفهم معنى الأخوة الإنسانية والأخوة الأسرية والأخوة المجتمعية، نطبق ما ورد من قول رسول الله المصطفى «صلى الله عليه وسلم» حين قال: ”انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا“. فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا، كيف أنصره؟ قال: ”تحجزه - أو تمنعه - من الظلم؛ فإن ذلك نصره“.
الحديث الشريف يوضح لنا مفهوم الأخوة الحقيقة بكل تجلياتها الباطنية والظاهرية وفي كل صفاتها ومقوماتها ومعانيها في فهم وتطبيق منهج الأخوة الحقيقية الذي يحبه الله ورسوله، لا الأخوة الزائفة المتعصبة لبعضها بعضًا الناصرة لمنهج الشيطان والفكر الظلامي.
إن نصر الأخ لأخيه ومساندته لابد أن تكون في كل الأحوال وقفة تخضع معاييرها إلى رضا الله سبحانه وتعالى أولًا وآخرًا، وليس رضا خاضعًا لمعايير شخصية نابعة من الهوى أو عائلية أو قبلية أو مناطقية، ومن شطح وتعصب في رضا نفسه وإخوانه وعائلته وقبيلته سواء كانوا ظالمين أو مظلومين فالأمر بالنسبة له سيان، فليعتبر نفسه نسخة مكررة من إخوة نبي الله يوسف الضالين الذين ذهب بهم الشيطان إلى منزلق الانحراف بمفهوم الأخوة الزائفة، فهم بذلك يشكلون أخوة الشيطان وأعداء الإنسانية، وهي بالتالي أخوّة مذمومة لا محمودة، لأنهم سلكوا بتعصبهم طريق الكراهية والحقد والعدوانية لا مشروع المحبة والخير والتسامح الذي يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى.