للثقافة طريقٌ أخر
العجب من أولئك الذين يجتهدون في قتل الفضول في ذواتهم وكأنه شيء دخيل على فطرت الإنسان في حين أنه كالشعر والظفر تعطي الجسم جمالاً وذلك من خلال قصها أو تشذيبها أو تهذيبها. وهكذا الفضول في الإنسان ينبغي أن يحكمه العقل والشرع تأديباً وتهذيباً وتجميلاً وكمالاً، وترك مساحة للمباحات ليلتذ الإنسان بلذائذ ما حوله التي أودع الله تبارك وتعالى فيها ما يلتذ به الإنسان. ومن هذه اللذائذ اللذة المعرفية التي تدعو إليها فطرة الفضول، ذلك الفضول الجميل الذي نعيشه من طفولتنا بتناول كل شيء ووضعه في فمنا ظناً منا أن كل شيء يستذوق بالفم ولكن بعد أن نتسلق سلم العمر تتفتق زهور الطرق للمعرفة بلا حد ولا حصر ”فتبارك الله أحسن الخالقين“.
”منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال“ هكذا ورد عن أمير البيان والحكم والفصاحة أبو الحسنين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أجمعين.. فما يرد عنه هو كاشف عن حقيقة ثابتة لا شك فيها. في جانب أخر نراه صلوات الله عليه وعلى أخيه المصطفى وآلهما الطاهرين يحث على طلب العلم والاستزادة منه أوليس الفضول دافع للعلم؟ نعم، العلم الإلهي في المقدمة بحسب ما يذكره أهل الاختصاص في العلم الديني ثم يأتي بعد ذلك كل ما ينضوي تحته من الأقسام التالية «1»:
العلوم التي فيها عزة الإسلام والمسلمين، فتدخل ضمن هذه الزاوية كل العلوم التي تساهم في تقدم المجتمع واستقراره ورخائه الاقتصادي وكل ما يُنأى بالمسلمين عن الذل والدونية في مقابل الأُمم الاخرى.
العلوم التي فيها إحياء الأرض، أو استثمارها - باعتبارها قد جُعلت وأبيحت للإنسان - والذي قد يفهم من القرآن الكريم الكناية عن الحث على استكشاف أسرار وخزائن هذا الكون الذي يتوقف على نموّ العلوم المادية وتطورها ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ «سورة الملك: 15».
العلوم التي تساعد المسلمين في الدفاع عن أنفسهم وعن دينهم والاستعداد التام لمواجهة خطط الأعداء وكيدهم.. فإن الدعوة القرآنية تستبطن الدعوة للتزود بكل العلوم المساهمة في الوصول الى هذه الحالة بكل جوانبها العسكرية والاقتصادية وغيرهما.. ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ «سورة الأنفال: 60» ".
كل ذلك فيما يجب وينبغي تعلمه، وهناك مساحة كما ذُكر سابقاً، لإشباع فضول الإنسان وأعلاها درجة نهمه. قد يرى البعض أن ذلك ترفاً ثقافياً والحال أنه لا يضر إذا ما أُديَّ الواجب بتعلم الأَولى من العلوم كالعقيدة والفقه والأخلاق وما إلى ذلك فإنها الأسس التي تسير على أسسها الحياة من خفقة القلب ورمشة العين إلى نهاية الدنيا. لذلك من الإجرام بحق الإنسان قتل الفضول فيه لأن التفكر يتغذى على زيادة العلم الذي بعض أبوابه الفضول فلعل فضولاً ساق إلى سموٍ فكري أو فتح علمي كما حصل مع نيوتن عندما دعاه الفضول سقوط التفاحة فاكتشف الجاذبية على ما يقال. وشيء بالشيء يذكر، إن أقرب الطرق إلى الله تبارك وتعالى بحسب روايات أهل البيت هو التفكر كما ورد عن الإمام الرضا
: ”ليس العبادة الصيام والصلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله“.
للثقافة طريق آخر..
لعله مما يعانيه كثير من المثقفين هو الرخاوة في عمق الثقافة بحيث تراه كماً هائلاً من المعلومات ولكن في البناء مجرد عن ركام من متغايرات لا يصح البناء عليها مجتمعة وكما ورد عن أمير المؤمنين ”إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، ويتولى عليها رجال رجالا على غير دين الله، فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى“ «2».
فلعله ليس من المبالغ أن يقال أن بعض المثقفين يشق طريقاً على غير هدى بسبب التناقض الفكري الذي لا يعي أنه واقع فيه لذلك نرى معارضة لفكرة صحيحة منطقياً لا توافقه أو توافق مساره. لذلك هنا طريقٌ للثقافة ينير البصيرة ويعلم الأدب وخلق التواضع هو أن يهذب المثقف نفسه باختيار عالم من العلماء المجيدين خطابياً بتفريغ محاضراته وتنسيقها لتصبح نصاً مقروءً ونشرها خصوصاً إذا كان الخطاب على مساوى عالٍ من الرصانة والوعي والدسامة العلمية والفكرية. فالتجربة الطويلة تشهد أن هذا بابٌ لتصحيح الفكر وطرق الاستدلال واكتساب للنور الإلهي وتعلم العقيدة والفقه والأخلاق نظرياً وعملياً - إذا كان الخطاب دينياً - والأهم عملياً بتذليل غطرسة النفس بعلمها ”كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى «6» أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى «7»“ «سورة العلق». وغير ذلك من الخطابة وأساليبها ومخاطبة الجمهور والكثير الكثير.
وهذه الفقرة ليست ترفاً فقد نقل لنا أحد العلماء حاجته لمن يساعده على ذلك ومن العجب أن يزهد الناس في ثواب نشر علم محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فقد طلب هذا العالم من احدى الجهات القيام بهذا الدور بمقابل مالي الذين وضعوا مبلغاً مبالغاً للمحاضرة الواحدة لا يمكن أن يقوم بها إلا تاجراً مقتدراً لا عالماً رافده المالي لا يفي بتغطية الكثير من حاجيات أسرته.
في الواقع هناك نماذج مشرفة أنتجت كتب وأصبحت مراجع ثقافية وعلمية فعن النبي الطاهرين وسلم: ”قيدوا العلم بالكتاب“ «3»
همسة صادقية
روي عن الإمام الصادق : ”يَا أَبَا عَبْدِ اللَهِ! لَيْسَ العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، إنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقَعُ فِي قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَهْدِيَهُ؛ فَإنْ أَرَدْتَ العِلْمَ فَاطْلُبْ أَوَّلاً فِي نَفْسِكَ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ، وَاطْلُبِ العِلْمَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَاسْتَفْهِمِ اللهَ يُفْهِمْكَ“ «4»